ابن خلدون

255

تاريخ ابن خلدون

لما هلك السلطان أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد المتغلب على ملك الأندلس من يد ابن عمه أبى الجيوش قام بالأمر بعده ابنه محمد طفلا صغير النظر وزيره محمد بن المحروق من بيوت الأندلس وصنائع الدولة واستبد عليه فلما شب وناهز أنف من الاستبداد عليه وأغراه المعلوجي من حشمه بالوزير فاغتاله وقتله سنة تسع وعشرين وشمر للاستبداد وشد أواخي الملك وكان الطاغية قد أخذ جبل الفتح سنة تسع وجاورت النصرانية به ثغور الفرضة وكان شجا في صدرها وأهم المسلمين شأنه وشغل عنهم صاحب المغرب بما كان فيه من فتنة ابنه فرجعوا الجزيرة وحصونها إلى ابن الأحمر منذ سنة ثنتي عشرة لأول المائة الثامنة واستغلظ الطاغية عليهم بعد ذلك فرجعوا الجزيرة إلى صاحب المغرب سنة تسع وعشرين وولى عليها السلطان أبو سعيد من أهل دولته سلطان بن مهلهل من عرب الخلط أخواله وأسف الطاغية إلى حصونها عند مهلك السلطان أبي سعيد فلك أكثرها ومنع البحر من الإجازة وقارن ذلك استبداد صاحب الأندلس وقتله لوزيره ابن المحروق وأهمه شأن الطاغية فبادر لإجازة البحر ووفد على السلطان أبى الحسن بدار ملكه من فاس سنة ثنتين وثلاثين فأكبر موصله وأركب الناس للقائه وأنزله بروض المصارة لصق داره واستبلغ في تكريمه وفاوضه ابن الأحمر في شأن المسلمين وراء البحر وما أهمهم من عدوهم وشكا إليه حال الجبل واعتراضه شجا في صدر الثغور فأشكاه السلطان وعامل الله في أسباب الجهاد وكان مشغوفا به متقبلا مذهب جده يعقوب فيه وعقد لابنه الأمير أبى مالك على خمسة آلاف من بنى مرين وأنفذه مع السلطان محمد بن إسماعيل لمنازلة الجبل فاحتل بالجزيرة وتتابع إليه الأسطول بالمدد وأرسل ابن الأحمر حاشرين في الأندلس فتسايلوا إليه واضطرب معسكر هم جميعا بساحة الجبل وأبلوا في حربه ومنازلته البلاء الحسن إلى أن تغلبوا عليه سنة ثلاث وثلاثين واقتحمه المسلمون عنوة ونفلهم الله من كان به من النصرانية بما معهم ووافاه الطاغية بأمم الكفر لثالثة فتحه وقد شحنه المسلمون بالأقوات نقلوها من الجزيرة على خيولهم وباشر نقلها الأمير أبو مالك وابن الأحمر فنقلها الناس عامة وتحيز الأمير أبو مالك إلى الجزيرة وترك بالجبل يحيى بن طلحة بن محلى من وزراء أبيه ووصل الطاغية بعد ثلاث فأناخ عليه وبرز أبو مالك بعساكره فنزل بحذائه وبعث إلى الأمير أبى عبد الله صاحب الأندلس فوصل بحشد المسلمين بعد أن دوخ أرض النصرانية وخرج فنزل بإزاء عسكر الطاغية وتحصن العدو في محلتهم وقاموا كذلك عادية لقرب العهد بارتجاعه وخفة ما به من الحامية والسلاح فبادر السلطان ابن الأحمر إلى لقاء الطاغية وسبق الناس إلى فسطاطه عجلا بائعا نفسه من الله في رضا المسلمين وسد فرجتهم فتلقاه الطاغية راجلا